عماد الدين خليل

326

دراسة في السيرة

بيت عائشة رضي اللّه عنها فأذنّ له . وخرج يمشي بين رجلين من أهله ، علي والفضل بن عباس ، عاصبا رأسه ، تخط قدماه ، حتى دخل بيت عائشة « 1 » . أخذت الحمى تزداد شدة ، حتى أن الرسول طلب من أهله أن يريقوا عليه « سبع قرب من آبار شتى » ، ولما راحوا يصبون عليه الماء طفق يقول « حسبكم حسبكم » وعندما أحسّ ببعض الارتياح خرج إلى المسجد عاصبا رأسه حتى جلس على المنبر فكان أول ما تكلم به أنه صلى على أصحاب أحد واستغفر لهم ثم قال : « إن عبدا من عباد اللّه خيّره اللّه بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند اللّه » . فهم أبو بكر مغزى كلام الرسول وعرف أنه يريد نفسه ، فبكى ، وقال : بل نحن نفديك بأنفسنا وأبنائنا ، فأجاب الرسول صلى اللّه عليه وسلم : « على رسلك يا أبا بكر » ثم التفت إلى من حوله وقال : ( انظروا هذه الأبواب اللافظة في المسجد فسدّوها ، إلا بيت أبي بكر ، فإني لا أعلم أحدا كان أفضل في الصحبة عندي يدا منه . . ولو كنت متخذا من العباد خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن صحبة وإخاء وإيمان حتى يجمع اللّه بيننا عنده ) . . . وعاد إلى بيته ودهمته نوبة الحمى والألم مرة أخرى « 2 » . طلب الرسول - بعد أن أعجزه المرض عن أداء مهامه - أن يأمروا أبا بكر ليصلي بالناس ، فقالت عائشة : يا نبي اللّه إن أبا بكر رجل رقيق ، ضعيف الصوت كثير البكاء إذا قرأ القرآن . قال : فمروه فليصل بالناس . . وكانت عائشة ترمي من وراء ذلك ألا يدفع أبوها إلى موقف يؤدي إلى تشاؤم الناس منه : « لأن الناس لا يحبون رجلا قام مقام نبيهم أبدا » . . فصلى أبو بكر بهم ثلاثة أيام « 3 » . وفي يوم الاثنين الذي توفي في ضحاه ( 12 ربيع الأول ) خرج صلى اللّه عليه وسلم لكي يلقي نظرة على أصحابه ، وهم يقفون صفوفا يؤدون الصلاة ، وما أن رفع الستر وأطل على المسلمين حتى كادوا يفتنون في صلاتهم برسول اللّه حين رأوه فرحا به ، وانبسطت سرائرهم فأشار إليهم أن اثبتوا على صلاتكم ، وتبسّم سرورا لما رأى من هيأتهم في صلاتهم . ونكص أبو بكر إلى الوراء اعتقادا منه أن الرسول سيؤم بنفسه المسلمين في صلاتهم هذه ، إلا أن الرسول تقدم إليه ودفعه في ظهره قائلا :

--> ( 1 ) ابن هشام ص 377 - 378 ، 385 الطبري 3 / 188 - 189 ابن سعد 2 / 2 / 9 - 11 البلاذري : أنساب 1 / 543 - 545 . ( 2 ) ابن هشام ص 385 - 386 الطبري 3 / 190 - 191 ابن سعد 2 / 2 / 25 - 26 البلاذري 1 / 546 - 547 . ( 3 ) ابن هشام ص 388 الطبري 3 / 196 - 197 ابن سعد 2 / 2 / 18 ، 20 - 21 البلاذري 1 / 554 - 557 .